قوة الضعف وضعف القوة في الصراع العربي الاسرائيلي
بقلم: د. يحيي العريضي
2005/11/10
الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=4091
خلال احدي جولات المفاوضات في واشنطن بين الوفد الفلسطيني، برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي والوفد الاسرائيلي برئاسة روبنشتاين، وبعيدا عن صقيع اوسلو، حيث لم تكن لدي الدكتور عبد الشافي اية فكرة عما كان يدور هناك.
وقتئذ ونقلا عن عبد الشافي، دار الحديث التالي بين رئيسي الوفدين:
روبنشتاين: هل تعتقد ان اسرائيل مضطرة الي الجلوس مع الفلسطينيين؟
عبد الشافي: نعم.
روبنشتاين: ان لم تقم اسرائيل بذلك، ماذا تستطيعون أن تفعلوا؟ اي قوة تمتلكون؟ وما هي خياراتكم حتي تجبروا اسرائيل علي المفاوضات؟
عبد الشافي: لدينا العمق والدعم العربي، ولدينا الشرعية الدولية، ولدينا المقاومة والانتفاضة.
روبنشتاين: هذه كلها مراهنات خلبية، وسأفندها لك واحدة تلو الاخري، ولكن اسرائيل تجلس معكم لاسباب وأهداف أخري بعيدة المدي لا تدركونها انتم الان.
عبد الشافي: هل لك ان تفند لي هذه المراهنات، ثم هل لي ان اعرف لماذا تجلسون معنا؟ روبنشتاين: الدعم العربي جربتموه خلال نصف قرن من الزمان، ونتيجة الحروب العربية ـ الاسرائيلية واضحة. لم تسترد لكم ارضا، بل خسرتم دوما مزيدا منها.
أما الدعم العالمي فلم يكن الا قرارات حبر علي ورق، فاسرائيل لو فكرت غدا ان تدفع كل عربي ضمن حدود 48 ومن هم في غزة والضفة وترمي بهم داخل الحدود السورية والمصرية والاردنية واللبنانية فلن تكون هناك اكثر من صيحات واحتجاجات وقرارات لايام معدودات، ثم تذهب بعد ذلك الي طيات النسيان!
عبد الشافي: (بحنق واستخفاف) وما الذي يجلسكم معنا اذن؟ روبنشتاين: يجلسنا معكم حسابات الزمن، فاسرائيل الان في ذروة قوتها وستحافظ علي ذلك لعقود من الزمن، وانتم في قاع ضعفكم ولعقود من الزمن، ولكن حالات القوة والضعف ليست دائمة. وبعد عقود عندما يكون الفلسطينيون اقوياء ولو كان الاسرائيليون ضعفاء لن يكون عنصر القوة قابلا للاستخدام بعد عقود من التعايش والسلام، فلا خشية علي اسرائيل من الزوال. نجلس معكم في لحظة قوتنا القصوي وضعفكم الاقصي لنمنعكم من استخدام القوة ضدنا في لحظة قوتكم ولحظة ضعفنا، فلو كنتم في مكاننا الان لما فعلتم الا هذا.
شعر الدكتور عبد الشافي بغصة ناشفة، لا بد انه دار في خلده حوار مرير: هذا العنصري الصهيوني المستعمر يفكر لقرن كامل في مصير اسرائيل ويتصورني لا افكر الا في اللحظة الحاضرة، ولا يدرك ان اسرائيله ستذوب ضمن محيط جارف سكانيا وثقافة معمرة ولغة خالدة وتاريخ متسلسل.
هو يفكر في الغاء العداء لاسرائيل، وانا افكر في الغاء عدوان اسرائيل. هو يفكر بالغاء اي مقاومة لعدوان اسرائيل، وانا افكر بألا ينسي احد عدوانها ويستمر بمقاومة هذا العدوان . علي الارض وفي النتائج السياسية وبعد عقد من الزمن مما كان حيدر عبد الشافي وروبنشتاين بصدده في واشنطن، تجاوزت محادثات اوسلو، عبد الشافي، ولكنها لم تحقق حلم روبنشتاين تماما، فعلي روبنشتاين ان يجتث مسألة العداء و المقاومة ليس من نفوس الفلسطينيين وعقولهم بل من حكومة اسرائيل والاسرائيليين بشكل عام.
وفي الوقت ذاته لم يستطع ان ينتزع روح المقاومة من الشعب الفلسطيني والرفض الفعلي للاستعمار الاسرائيلي لفلسطين. لم يخيب الفلسطينيون آمال روبنشتاين ونظريته ورؤي معسكره فقط، بل نسف نظريته تماما جدار فصل عنصري لا يشيده من يريد ان يزيل العداء لاسرائيل بعد مئة عام! فكل حجر بهذا الجدار هو عام من العزلة والكراهية والتصميم بانه في حال تغير موازين القوي فالجدار سيتساقط فوق رؤوس اصحابه.
صحيح ان اسرائيل تضمن تفوقها علي العرب والمسلمين لعقود قادمة، ولكن هذه العقود ستتقلص وتقصر حتما:
امريكا لن تبقي القوة الاولي عالميا للابد. من صادق اسرائيل وصمت عن عنصريتها واحتلالها مرغما بسبب امريكا سينفض عنها حال حدوث التغيير الحتمي لموازين القوي العالمية.
عناصر قوة اليوم، وعلي رأسها التقنيات لم تعد حكرا علي احد. وما اراد روبنشتاين ان يتجاوزه او يقضي عليه وتحديدا جذوة او حس المقاومة لاستعمار اغتصب الارض والناس ثبت بالتجريب انه لن يحدث.
لقد خرجت اسرائيل من غزة دون تفاوض مع الفلسطينيين، لا كما اراد روبنشتاين ولا علي طريقة نتنياهو او شارون أو حتي باراك، خرجت وهي تجهز لها حبسا ضمن جدران علي اليابسة (حتي من جانب مصر) وداخل جدار المتوسط وسقف في السماء. هكذا تماما ستفعل في الضفة الغربية والجدار جاهز من الجهات الخمس.
نظرية روبنشتاين لم تكن فاعلة ولا واقعية ولم تنجح، ولا نظرية عبد الشافي نجحت أو كانت فاعلة او واقعية.
فقط نجح الفلسطينيون والاسرائيليون الذين كانوا يعرفون ان جدران الفصل تستوطن الروح والعقل، فلا السنون تزيلها ولا القوة تنسفها ولا الضعف يمسحها من ذاكرة المظلومين والمقهورين.
استعمار اسرائيل لفلسطين وبطشها وقهرها لاهلها نسف رؤية روبنشتاين، واستمرارها بما تفعل يفرخ ما تسميه الارهاب . تفكيرها بقوتها وضعف الاخرين ينتشل الاخرين من الضعف ويعجل بالنهاية التي لا يريدها روبنشتاين. وجدران الفصل بكل المقاييس هي ذروة الضعف ورمزه ايضا. هنا نجح الدكتور عبد الشافي، من حيث يدري او لا يدري، فدوام الحال من المحال. - (القدس العربي 10 تشرين ثاني 2005) -
http://www.miftah.org









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية